رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

402

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الأزمنة والدهور من إقبال ليلٍ مقبل ، وإدبار نهارٍ مدبر قبل كلّ غاية ومُدّة ، وكلّ إحصاءٍ وعِدّة ، تعالى عمّا يَنْحَلُه المحدّدون من صفات الأقدار ، ونهايات الأقطار ، وتأثّل المساكن ، وتمكّن الأماكن ، فَالْحَدُّ لخلقه مضروبٌ ، وإلى غيره منسوبٌ ، لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ، ولا من أوائل أبديّة ، بل خَلَقَ ما خَلَقَ فأقام حَدَّه ، وصَوَّرَ ما صَوَّرَ فأحسن صورتَه ، ليس بشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء انتفاع ، عِلْمُه بالأموات الماضين كعِلْمِه بالأحياء الباقين ، وعِلْمُه بما في السماوات العُلى كعلمه بما في الأرضين السفلى » . « 1 » وفي خطبة أخرى من خطب نهج البلاغة : « أوّل الدِّين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة « 2 » كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وَصَفَ اللَّه سبحانه فقد قَرَنَه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومَنْ ثنّاه فقد جَزَّأَه ، ومن جزّأه فقد جهله ، [ ومن جهله فقد أشار إليه ] ، ومن أشار إليه فقد حَدَّه ، ومن حدّه فقد عَدَّه ، ومن قال « فيمَ » فقد ضَمَّنَه ، ومن قال « علامَ » فقد أخلى منه ، كائنٌ لا عن حَدَثٍ ، موجودٌ لا عن عَدَمٌ ، مع كلّ شيءٍ لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة ، فاعلٌ لا بمعنى الحركات والآلة ، بصيرٌ إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّدٌ إذ لا سَكَنَ يستأنس به ، ولا يستوحش من فَقْده » . « 3 » وفي خطبة أخرى : « سَبَقَ في العلوّ فلا شيء أعلى منه ، وقَرُبَ في الدنوّ فلا شيء أقرب منه ، فلا استعلاؤُه باعَدَه عن شيء من خَلْقه ، ولا قُرْبُه ساواهم في المكان به ، لم يُطْلِعِ العقولَ على تحديد صفته ، ولم يَحْجُبْها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود ، على إقرار قلب ذي الجحود ، تعالى [ اللَّه ] عمّا يقوله المشبّهون به ، والجاحدون له علوّاً كبيراً » . « 4 »

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 232 - 233 ، الخطبة 163 . ( 2 ) . في المصدر : « لشهادة » . ( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 39 ، الخطبة 1 . وفيه : « لفقده » بدل « من فقده » . ( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 87 ، الخطبة 49 .